العِلْم بين البركة والحكمة

 

 

 

يُعدّ العلم من أعظم المنح التي يرزق الله بها عباده؛ فهو نورٌ يفتح البصائر، ويهدي إلى سداد العمل، ويُعين على صواب القرار. ومن تمام شكر هذه النعمة أن يُشارك الإنسان ما تعلّمه مع من يحتاجه، فلا يحتكر معرفة، ولا يتفرد بمعلومة يمكن أن تنفع غيره. فهذا من زكاة العلم، ومن أسباب البركة في السعي والعمل. فالعلم حين يُمنع يذبل، وحين يُتداول ينمو ويزدهر.

غير أن مشاركة العلم لا تكتمل بركتها إلا إذا امتزجت بالحكمة. فليس كل الناس مستعدًا للمعلومة الجديدة، وليس كل وقت مناسبًا لبذل المعرفة. فالعلم—كما قيل—كالدواء؛ ينفع بقدر، ويضرّ إن أُعطي لمن لا يحتمله، أو قُدّم في غير حينه. وقد كان النبي ﷺ يتخول أصحابه بالموعظة، يعظهم في الأيام دون الأيام، يتحرى الأوقات التي تتهيأ فيها النفوس، خشية السآمة والملل. وهذه سُنّة في التربية تُعلّمنا أن إيصال المعرفة يحتاج إلى بصيرة لا تقل شأنًا عن المعرفة نفسها.

إن الحكمة في العطاء العلمي لا تعني البخل به، وإنما تعني مراعاة حال المتلقي، وتهيئة البيئة المناسبة للفهم، واختيار اللحظة التي يكون فيها العلم رحمة لا عبئًا، وإضافة لا إثقالًا. فحين نجمع بين نشر العلم من جهة، ومراعاة أهله وأوقاته من جهة أخرى، تتحقق البركة في القول والعمل.

وهكذا، يبقى العلم نعمةً تتضاعف حين نشكرها؛ وشكرها لا يكون بالحفظ وحده، بل بنشرها بحكمة، وتقديمها برفق، واختيار من يستحقها، ليكون أثرها أعمق، ونفعها أوسع، وبركتها أتمّ.

 

تعليقات

المشاركات الشائعة