العافية تاج النِعَم خطبة بليغة مؤثِّرة .للشيخ الدكتور سليمان عبدالرحمن العيدي .
الحمدُ للهِ، الحمدُ للهِ الشَّافي المُعافِي، لهُ الشُّكرُ كثيرًا على تجدُّدِ العافيةِ والبقاءِ على الحياةِ.
أشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ، مُقدِّرُ الأقدارِ ودافعُ البلاءِ والأكدارِ.
وأُصَلِّي وأُكثِرُ من السلامِ على خيرِ من قال: "أسألُكَ اللهم العافيةَ". صلُّوا وسلِّموا على سيِّدِ الأولينَ والآخرينَ.
يا عبادَ اللهِ، اتَّقوا اللهَ، اتَّقوا اللهَ في الرَّخاءِ يعرفْكُم في الشِّدَّةِ، داوموا على التَّقوى يأتِيكم الخيرُ من حيثُ تحتسبونَ ومن حيثُ لا تحتسبونَ.
أيُّها الكرامُ، من أخطرِ ما يُبتَلَى به إنسانٌ أن يسمحَ للدنيا أن تسيطرَ على عقليَّتِهِ وطريقةِ تفكيرِهِ. وبكلِّ الأسفِ، هذا هو حالُ كثيرٍ منَّا، أصبحتِ الدنيا هي من تُديرُ الحياةَ وتتحكَّمُ في عقولِ الكثيرِ.
يظهرُ أحدُنا على الدنيا وهو مُقتنِعٌ أن المالَ هو أهمُّ شيءٍ في الحياةِ، لا نُنكرُ هذا، أن المالَ عصبُ الحياةِ وأن الكلَّ محتاجٌ إليهِ وأنهُ يُعِزُّ ويُجَمِّلُ، ولا شكَّ أيضًا أن المالَ حينَ يتكلَّمُ يُنصِتُ الجميعُ، بل حينَ يتكلَّمُ تُحسَمُ كثيرٌ من القراراتِ ويُمنَحُ العيشُ برفاهيةٍ، وهو نعمةٌ ورزقٌ من اللهِ وزينةُ الدنيا.
لكن السؤال: هل هذه هي الحقيقةُ المطلقةُ؟ هل من الممكن أن المالَ يُغني عن كلِّ شيءٍ؟ من المؤكَّد لا. فإذا كان الجوابُ لا، فما هو هذا الشيءُ الذي لا يقدِرُ المالُ مهما كثُر على توفيرِهِ وشرائِهِ؟ إنها العافيةُ.
فكم هو ثمنُ العافيةِ؟ بكلِّ بساطةٍ لو أنفقتَ ما في الأرضِ جميعًا لم تقدِرْ على شرائِها ولا جَلبِها. العافيةُ لا تُباعُ لأنها منحةٌ سماويةٌ تنزلُ من السماءِ فقط. كلُّ متعِ الدنيا من الممكن أن تملَّ منها، أن تستغني عنها، أن تعتاد ببديلٍ عنها، إلا العافيةَ. ما لقيَتْ ولا لقيَ أحدٌ من أهلِ الدنيا أزينَ وأطعمَ وأجملَ وألذَّ من العافيةِ.
أعزُّ الناسِ وأغنى الأغنياءِ لا يستغنونَ عن العافيةِ، هي أكثرُ وأهمُّ ما يحتاجُهُ كلُّ البشريَّةِ وكلُّ المخلوقاتِ. تكفي العافيةُ لتطيبَ الحياةُ. مليونيراتٌ وحُكَّامٌ ومشاهيرُ لم تَطِبْ لهم الحياةُ يومَ فقدوا العافيةَ. لن يكفيكَ دفءُ الحياةِ ولا أموالُها ولا متعُها ولا بريقُها ما لم يرزُقْكَ اللهُ العافيةَ.
قيلَ لرجلٍ: ما النِّعمةُ؟ قال: العافيةُ، فإنِّي رأيتُ فاقدَها لا يَهنَأُ بعيشٍ. ألم يبلُغْكم أن هناك من عافى الملكَ وعافى المناصِبَ وعافى المالَ يومَ فقدَ العافيةَ، وهناك من تخلى عن كلِّ شيءٍ بحثًا عن العافيةِ، وهناك من ترك ملذَّ الدنيا وحُسْنَها ومتاعَها طلبًا للعافيةِ.
فأسألُ اللهَ العافيةَ، أسألُ اللهَ أن يُعافيني وإيَّاكم. المالُ يا كرامُ أعظمُ الأرزاقِ الماديَّةِ، لكن أبشعُ ما فيه أنه يدفعُ الإنسانَ أن يدفعَ عافيتَهُ لجمعِ المالِ، ثم في النهايةِ يدفعُ الإنسانُ كلَّ المالِ بحثًا عن العافيةِ.
واللهِ لن يهنَأَ أحدٌ بحياةٍ ما لم يكنْ مُتعافِيًا ومُعافًى. مواقفُ الدنيا الموجعةُ هي من تُخبِرُكَ أن العافيةَ هي التي بها تأكلُ وتنامُ وتسيرُ وتفكِّرُ وتعملُ وتصنعُ وتمرحُ وتستمتعُ. العافيةُ أضخمُ الأرصدةِ وأعظمُ الثرواتِ وأجملُ الجمالِ، وحين تنفجرُ العافيةُ نعوذُ باللهِ من انفجارِ العافيةِ، لا يبقى شيءٌ له طعمٌ ولا معنى.
العافيةُ هي الكافيةُ عن سائرِ النِّعَمِ، هي وحدها أُمُّ الملذَّاتِ، إذا غابتْ غابَ النعيمُ. العافيةُ لا ثمنَ لها ولا يعرفُ ثمنَها إلا من لازمَ السريرَ أو عانى من قلَّةِ النومِ أو الخائفِ الطريدِ أو ابتُلِيَ بولدٍ عاقٍّ أو زوجةٍ تُشيِّبُهُ قبل المشيبِ أو تولَّى أمرَهُ أحدٌ إن أحسنَ لم يشكرْهُ وإن زلَّ لم يعذُرْهُ.
جاء في الحديثِ عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يُكثِرُ: "أعوذُ بك من زوالِ نعمتِك وتحوُّلِ عافيتِك وفجاءةِ نقمتِك". العافيةُ يا أيُّها المؤمنونَ هي أعظمُ خيراتِ الدنيا والآخرةِ، من أُعطيَها فقد حازَ عزَّ الدنيا وشرفَ الآخرةِ. ما تلذَّذَ حيٌّ في الدنيا ولا حتى الأمواتُ ما تلذَّذوا في قبورِهم ولا تلذَّذَ الناسُ يومَ يُبعثونَ بشيءٍ أطيبَ من العافيةِ.
يا كرامُ، إن كنتم تتعبونَ من قولي إن العافيةَ ألذُّ شيءٍ في الدنيا وفي القبورِ والآخرةِ، فاستمعوا معي يرحمكم الله. في الدنيا وعكةٌ صحيَّةٌ، قلقُ ساعةٍ، خوفٌ على ولدٍ، صداعُ يومٍ، تعكيرُ مزاجٍ يُغيِّرُ كلَّ أمنياتِك وينسفُ كلَّ قناعاتِك ورغباتِك السابقةِ في الثروةِ في الشهرةِ في المنصبِ في السهرةِ لتلتقي باحثًا عن العافيةِ تتولَّدُ لديكَ قناعةٌ واحدةٌ لا غيرُ: أن أعلى الأماني وأعظمَ الطموحاتِ لديكَ هي العافيةُ ولا شيءَ غيرُها.
أسألُ اللهَ أن يرزُقني وإياكم العافيةَ ويديمَها علينا. مستحيلٌ أن تجدَ شيئًا يُحسسك بالأمانِ ويجعلَ أيامَكَ تمرُّ بهدوءٍ غيرَ العافيةِ. كلُّ متعِ الدنيا مجتمعةً لن تقدرَ على إسعادِك وراحتِك ما لم يرزُقْكَ اللهُ العافيةَ.
أعظمُ أنواعِ الراحةِ والحياةِ السعيدةِ هي العافيةُ. فلنفكِّر، أهو قليلٌ يا كرامُ أن يخرجَ أحدُنا من بيتِهِ وهو يُحرِّكُ يدَيْهِ ويمشي على قدميهِ؟ أهو قليلٌ أن يُشاهِدَ كلَّ ما حولهُ ويُبصِرَهُ بعينيهِ؟ أهو قليلٌ أن يسمعَ الأصواتَ التي تناديهِ؟ جوارحُ ومشاعرُ وأعضاءُ طيَّبَتْها العافيةُ نعملُ بها ونمرحُ ونستمتعُ ونجمعُ المالَ، واللهِ إنها ليست شيئًا قليلًا، فاسألوا من وهبَها أن يُديمَها.
اللهمَّ أدمْ علينا العافيةَ. أهو قليلٌ أيُّها المؤمنونَ أن الإنسانَ يعيشُ بكاملِ وعيهِ وعقلِهِ لم تتلاعبْ به الهمومُ والوساوسُ واليأسُ ولم تُفسِدْهُ المخدراتُ؟ كلُّ شيءٍ في الدنيا لا يُساوي شيئًا أمامَ أعظمِ الرحماتِ التي هي العافيةُ.
العافيةُ هي النومُ الهانئُ، هي سكينةُ الروحِ، هي انشراحُ الصدرِ. فإن تسألوا اللهَ شيئًا فاسألوا هذه الرحمةَ.
مهما حدثوكَ عن صفقاتٍ عن مناصبَ عن ترقياتٍ عن سهراتٍ عن سياحةٍ عن يخوتٍ عن سياراتٍ عن أموالٍ عن نساءٍ جميلاتٍ قل: حدثوني عن العافيةِ، فواللهِ ما طابتْ هذه الأشياءُ إلا بالعافيةِ ولا زانتْ إلا بالعافيةِ.
اللهمَّ عافِنا واعفُ عنَّا. أهو شيءٌ قليلٌ أيُّها المؤمنونَ أن تدخلَ الحمامَ فتقضي حاجتَكَ دونَ أن يكشفَ عورتَكَ أحدٌ؟ اسأل من حُرِمَ هذه النعمةَ، اللهمَّ أدمْها علينا، يا لها من نعمةٍ منسيَّةٍ.
اسألوا أهلَ الغِنَى واسألوا أهلَ العزِّ ممَّن تقدَّمَتْ بهم السِّنُّ عن أعزِّ أمانيهم في هذه السِّنِّ، سيقولونَ: العافيةُ، العافيةُ، أن يُعافِيَكَ اللهُ فلا تكونَ مفتاحًا للشرِّ مُثيرًا للمشاكلِ يتقيكَ الناسُ لفُحشِ وبذاءةِ صانعٍ للشرِّ مُثيرًا للعداواتِ.
العافيةُ أيُّها المؤمنونَ من مَلَكَها مَلَكَ الدنيا بل هو كما قال داوودُ عليه السلام: العافيةُ وهبَ اللهُ الملكَ الخفيَّ. كلُّ شيءٍ جميلٍ حولك لن تراهُ كذلك إذا فقدتَ العافيةَ.
أسألُ اللهَ ألا يُفقِدني وإياكم العافيةَ. من يُريدُ أن يتأكَّدَ من هذه الحقيقةِ، ليُتأمَّلْ في حالِ من مَلَكَ الملكَ ونالَ الشهرةَ وجمعَ مالَ الدنيا حين هدَّهُ الوجعُ وأذابَ جسدَهُ الهمُّ وقيدَهُ عقالُ الهرمِ ودلَّوْهُ اشترى عافيةَ ساعةٍ بكلِّ ما يملكُ.
عفَّ ما هو في من عزٍّ ولم تَعُدْ له رغبةٌ في متعةٍ وزَهِدَ في الحياةِ، لم يُبالي بولدٍ ولا بحسانٍ ولا بمالٍ ولا بملكٍ ولا أهلٍ ولا سفرياتٍ. فيا اللهُ، فيا اللهُ، كم هي غاليةٌ العافيةُ، لا يعرفُ قيمتَها إلا من لازمَ السريرَ، لا يُثَمِّنُها إلا أقوامٌ من المرضِ أصبحوا هياكلَ واضحةً من القلقِ، أشباحَ أقوامٍ طعامُهم حبوبٌ ونومُهم حبوبٌ. لا يعرفُ قيمةَ العافيةِ إلا من خارتْ صحتُهُ وفقدَ راحتَهُ وحلَّتِ النكباتُ بديارِهِ.
واللهِ لا معافَى إلا من عافاهُ اللهُ، فاسألوا اللهَ العافيةَ، فنحنُ بزمنِ المفاجآتِ نعيشُ دنيا موحشةً، أصبحَ أكثرُ أهلِ الدنيا يشتكي، فاسألوا اللهَ العافيةَ، فمن سألَ اللهَ العافيةَ وهبَهُ إياها.
اعملوا صالحًا فيما أنتم فيه من عافيةٍ، فواللهِ إن الدنيا سريعةُ التقلُّبِ خطيرةُ الغدرِ، لا يأمنُ فيها إلا من عافاهُ اللهُ. اسألوا اللهَ أن يجنبكم ومن تحبُّونَ سلبَ العافيةَ. اللهمَّ لا تسلبْ عنا عافيتَكَ ولا سترَكَ يا حيُّ يا قيومُ، وأدمْ علينا نعمتَكَ وعافيتَكَ وستركَ في الدنيا والآخرةِ، ونستغفرُكَ ونتوبُ إليكَ.
الحمدُ للهِ والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ. يا أيُّها المؤمنونَ، قُلتُ لكم حتى الأمواتُ في قبورِهم يحنُّونَ ويتمنَّونَ ويرغبونَ العافيةَ، يحتاجونَها، ألم يبلُغْكم أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا صلَّى على الميتِ قال: "اللهم عافِه واعفُ عنه"، وإذا زار القبورَ صلى الله عليه وسلم قال: "السلامُ عليكم أهلَ القبورِ، أسألُ اللهَ لكم العافيةَ".
بل جعلَ اللهُ العافيةَ أعظمَ جوائزِ المؤمنينَ يوم القيامةِ حين قال: {فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}، بل جعلَ أعظمَ نعيمِ أهلِ الجنةِ العافيةَ من المخاوفِ، من المكدِّ، الأمنَ من تحوُّلِ العافيةِ، فقال سبحانه: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ}، وقال } :يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ{.
ما سُئِلَ الربُّ شيئًا أحبَّ إليهِ من العافيةِ لأنها رحمةٌ تُخلِّصُ من كلِّ شرورِ الدنيا والآخرةِ وأسبابِها. يا أيُّها الناسُ، خبِّروني بدونِ العافيةِ، هل سيكونُ هناك رغبةٌ في جمعِ الأموالِ؟ هل ستُبنى الأوطانُ والمساكنُ؟ هل تكونُ هناك رغبةٌ في زواجٍ وإنجابٍ أو أولادٍ؟ هل ستكونُ هناك رغبةٌ في إنتاجٍ وإدارةِ أعمالٍ ودراسةٍ؟ هل ستكونُ هناك ضحكاتٌ وناسَاتٌ وسهراتٌ؟ بل هل ستكونُ هناك رغبةٌ في الحياةِ؟
ألا ترونَ بعضَ المبتَلينَ يسألُ اللهَ الموتَ؟ ما حالُ ذاك الإنسانِ الغنيِّ القويِّ العظيمِ وقد أخبرَهُ الأطباءُ بفقدانِهِ لعافيتِهِ يومَ انتشرَ السرطانُ في بدنِهِ؟ أجارَنا اللهُ وإياكم من سيِّءِ الأمراضِ والأسقامِ.
أيُّ متعةٍ وأيُّ معنى للحياةِ عند شابٍّ قد أترمَ المرضُ نضارةَ شبابِهِ وفُتوَّتهِ، وعجزَ الطبُّ والدواءُ والمداوي عن الحلولِ؟ إنها العافيةُ، يا كرامُ، تُخبرنا عن قيمتِها حين المرضى وغصَّ المديونينَ وقهرَ المظلومينَ وأسى المشردينَ.
ما قيمةُ المالِ والقصورِ والشهرةِ والمناصبِ بدونِ عافيةٍ؟ العافيةُ هي السترُ، هي راحةُ البالِ، هي الصحةُ، هي النومُ الهنيءُ، هي الفرحُ والضحكُ يومَ تخرجُ، هي يوم تخرجُ من مشوارِكَ الوظيفيِّ وسمعتُكَ نقيَّةٌ وسيرتُكَ تُسرُّ وستركَ لم يُكشَفْ، هي يومَ ينتهي مشوارُ حياتِكَ العمليةِ وأنت مُكرَّمٌ مذكورٌ بالخيرِ.
العافيةُ هي يومَ لا يخبُ ظنكَ في من أحببتَ، أَتدرونَ ما عكسُ ذلك؟ إنه نزعُ العافيةِ، يومَ تُخذَلُ من قبلِ من كنتَ تُؤمِّلُ فيه وتعدُّهُ للشَّدائدِ، تُنجِبُ أولادًا وتعتزم بإخوانٍ وتعتدُّ بقرابةٍ وأصدقاءٍ ليكونوا لكَ عُدَّةً وعونًا على الزمانِ، فإذا بهم يُحاربونكَ مع الدنيا.
اللهم أنتَ اللهُ لا إلهَ إلا أنتَ، نسألُكَ العافيةَ يومَ تغيبُ العافيةُ، لا غَيَّبَ اللهُ عنَّا ولا عنكم ولا عن أحدٍ، تُصبحُ أغلى الأماني عند الإنسانِ أن تعودَ له حياتُهُ السابقةُ التي كان يتذمَّرُ منها ولم تكن تُعجِبُهُ من قبلُ، أعظمُ طموحاتِهِ هي العافيةُ ولو فقدَ كلَّ أموالِ الدنيا. صرخاتُ المرضى وبكاءُ المفقودِ وحاجةٌ تُذِلُّ وعقوقُ أولادٍ وجحودُ زوجٍ أو زوجةٍ ومرضٌ يُقعِدُ وقهرٌ من قرابةٍ.
هذا هو معنى زوالِ العافيةِ، نعوذُ باللهِ من زوالِ العافيةِ ومن رزقٍ بلا عافيةٍ، خيرُ الأرزاقِ مع العافيةِ، ومفتاحُ النعيمِ العافيةُ. تابعوا أخبارَ المنكوبينَ وشاهدوا أحوالَ المقهورينَ وتابعوا هذه المظالمَ والعبثَ والفوضى والمخاوفَ والمفاجآتِ في شرقِ الأرضِ ومغربِها، هذا يؤذِّنُ وذاك يُصرِّحُ والآخرُ ينزِفُ، وملايينُ يهيمونَ على وجوهِهم شردَتهم الحروبُ والمجاعاتُ، هنا تعرفُ معنى العافيةِ.
نعيشُ دنيا موحشةً، فادعوا اللهَ أن يُؤنِسَ بالعافيةِ ويزيلَ عنكم وحشةَ الدنيا ويطيبَ حياتَكم ويَطِبَّ جراحَكم بالعافيةِ. أسألُ اللهَ ذلك لي ولكم يا أيها الكرام. أكثروا من قول: "اللهم عافِنا في من عافيتَ"، فهذا كان مما يُكثِرُ منه صلى الله عليه وسلم في الحياةِ. أَجَارَنَا اللهُ وإياكم. أسألُ اللهَ أن يَحميني وإياكم من نكباتِ الحياةِ. الحياةُ من الممكن أن تنقلبَ في لحظةٍ واحدةٍ بمكالمةٍ هاتفيةٍ، نتيجةِ تحاليلٍ طبيةٍ، خطوةٍ تخطوها في الشارع، مقابلةٍ مع شخصٍ أهوج، قهرٍ في موقفٍ، إحراجٍ وخذلانٍ من حبيبٍ. فلا أحد يعرفُ ماذا تحملُ اللحظاتُ القادمةُ. أسألُ اللهَ أن يُجيرني وإياكم من فَجْأَةِ الشرِّ. إن الذي يُنجي يا كرام هو سؤالُ اللهِ العافيةَ التي لا تصنعُها النوادي الرياضيةُ ولا تُؤمِّنُها المناصبُ ولا تجلبُها الأرصدةُ البنكيةُ. أيُّ طعمٍ للحياةِ بدون نومٍ؟ وأيُّ قيمةٍ للشهرةِ والمالِ بدون راحةِ بالٍ؟ وأيُّ معنىً للشهاداتِ بدون صحةٍ؟
كلُّ متاعِ الدنيا وكلُّ زينٍ فيها عافيةٌ، صفرٌ على الشمالِ لا يُنتِجُ عددًا. لذا في اللحظةِ التي تأوي فيها إلى بيتكَ ثم تدخلُ إلى فراشكَ فتتلَفُّ بنعومته وبأمانِ البيتِ والطمأنينةِ على من تحبُّ، أَصْرَخْ بأعلى صوتكَ من كلِّ قلبكَ وقُلِ: "الحمدُ للهِ". يا لها من نعمةٍ منسيةٍ. اسألوا اللهَ ألا يُذيقَكم وحشةَ الدنيا ومن تحبون، وأن يُديمَ عليكم العافيةَ. واجعلوا لكم رصيدًا يدفعُ عنكم البلاءَ ويديمُ عليكم العافيةَ، فليس كلُّ يومٍ رائعًا، والحياةُ ليست دائمًا كما ينبغي. من يرى أحداثَ الدنيا يَرجُفُ قلبُه ويتخلى عن كثيرٍ من الأماني سوى أمنيةِ العافيةِ لأجل أن يعيشَ بهدوءٍ وراحةٍ في آخرِ عمره. فواللهِ إن أغنى وأعزَّ الناسِ من دامتْ عافيتُه. إذا نمتَ ولم يُؤْلِمْكَ شيءٌ، واستيقظتَ ولم تُفزِعْكَ مصيبةٌ، وأصبحتَ ولم تُرهِبْكَ مكالمةٌ أو أحداثٌ، فهذه هي العافيةُ.
اصحبني مع هذا الحديث لندركَ أن من ينعَمُ بالعافيةِ هو أحظ الناس وأغناهم. أتفهَّمُ، استمعوا لتدركوا أنها حين تُفقدُ تُبكي وتُوجع وتكسر الخاطر. قام صلى الله عليه وسلم على المنبر ذات يومٍ فحمد الله وأثنى على الله بما هو أهلُهُ، ثم خنقته العبراتُ عليه الصلاة والسلام، وبكى حتى ضجَّ المسجدُ ببكائه، ثم قال: "أسألُ اللهَ العفوَ والعافيةَ، فإن أحدًا لم يُعطَ بعد اليقينِ خيرًا من العافيةِ". اللهم نسألُك العفوَ والعافيةَ.
إذا لِيَدْرِكِ المُعافَى أنه في عيشةٍ راضيةٍ، وأنه يملكُ شيئًا لا يستطيعُ أحدٌ شراءَه. العباسُ عمُّ رسولِ الله جاء لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: "يا رسولَ الله، علِّمني شيئًا أسألُ اللهَ تعالى به". قال: "يا عمَّ رسولِ الله، أَلا أُحِبُّكَ؟ أَلا أُهْدِيْكَ؟ سَلِ اللهَ العافيةَ". يقول: فمضيتُ ثم جئتُ بعد أيامٍ فقلتُ: "يا رسولَ الله، علِّمني شيئًا أسألُ اللهَ تعالى به". قال: "يا عمَّ رسولِ الله، سَلِ اللهَ العافيةَ". فما رُزِقَ أحدٌ بعد اليقينِ، أي بعد الإسلامِ، خيرٌ له من العافيةِ.
صلوا وسلموا على قائلِ هذا القولِ محمد بن عبد الله عليه أفضلُ الصلاةِ وأتمُّ السلام. اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدِكَ ورسولِكَ محمد. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، نسألُكَ دوامَ العافيةِ وإسباغَ العافيةِ، ونسألُكَ العافيةَ في دينِنا ودُنيانا وآخرتِنا وأبدانِنا وذرياتِنا وأزواجِنا وأموالِنا وأعمالِنا وأمرِنا كله. نعوذُ بك من زوالِ نعمتِكَ وتحوُّلِ عافيتِكَ وفجاءةِ نقمتِكَ وجميعِ سخطِكَ. نعوذُ بك من الذنوبِ التي تنزعُ العافيةَ. نعوذُ بك من سخطِكَ، نعوذُ بك لا إله إلا أنت، أنت الحيُّ القيومُ، من نكباتِ الدهرِ وبلايا الزمانِ وفواجعِ الأقدارِ. نعوذُ بك من شرِّ ما في الغيبِ وشرِّ ما جرت به المقاديرُ وشرِّ ما خُطَّ في اللوحِ المحفوظِ وشرِّ كلِّ ذي شرٍّ وشرِّ كلِّ دابةٍ أنت آخذٌ بناصيتِها. من أرادَ بنا سوءًا فاشغله بنفسِه. اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، نسألُك موجباتِ رحمتِك وعزائمَ مغفرتِك والغنيمةَ من كلِّ بَرٍّ، والسلامةَ من كلِّ إثمٍ.
اللهم عافِنا في أنفسِنا وفي ذرياتِنا وفي أزواجِنا وفي بيتِنا وفي أمرِنا كلِّه يا ربَّ العالمين. اللهم أدمْها علينا في الدنيا والآخرةِ، اللهم اجعلْنا من المعافينَ في الدنيا وعند الموتِ وفي القبورِ ويومَ القيامةِ يا ربَّ العالمين. إنك على كلِّ شيءٍ قديرٌ. اللهم اغفرْ لنا يا حيُّ يا قيومُ، وألبِسِ الجميعَ في هذا المسجدِ لباسَ العافيةِ والصحةِ، وشُدَّ عَضُدَهم يا أرحمَ الراحمين، وتولَّهم يا وليَّ الصالحين، وارزقهم طمأنينةَ القلبِ والسكينةَ، أنت وليُّ ذلك والقادرُ عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد.
محاضرة جمعة : العافية تاج النِعَم خطبة بليغة مؤثِّرة .للشيخ الدكتور سليمان عبدالرحمن العيدي .
تعليقات
إرسال تعليق